ابن عجيبة
183
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
العيانى مشهور بين الخصوص ، لم يطلع عليه إلا نبي أو ولىّ ، لأنه صدر من الحق لأهل شهوده ، من المحبين العارفين ، والموحدين والصديقين ، والأنبياء والمرسلين . انظر بقية كلامه . وقال أيضا في قوله : عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ : أفهم أن أصوات الطيور والوحوش وحركات الأكوان جميعا هي خطابات من اللّه عز وجل للأنبياء والمرسلين ، والعارفين والصديقين ، يفهمونها من حيث أحوالهم ومقاماتهم . فللأنبياء والمرسلين علم بمناطقها قطعيا . ويمكن أن يقع ذلك بوحي ، ولكن أكثر فهوم الأنبياء « 1 » أنهم يفهمون من أصواتها ما يتعلق بحالهم ، بما يقع في قلوبهم من إلهام اللّه ، لا بأنهم يعرفون لغاتهم بعينها . ه . قلت : وكذلك الأولياء يفهمون عنها ما يليق بمقاماتهم ، من ألفاظ ، أو أنس ، أو إعلام ، أو غير ذلك . واللّه تعالى أعلم . ولما أراد سليمان الغزو ، جمع جنوده ، كما قال تعالى : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 17 إلى 19 ] وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) قلت : قالَتْ نَمْلَةٌ : التاء للوحدة ، لا للتأنيث . قال الرضى : تكون التاء للفرق بين المذكور والمؤنث ، وتكون لآحاد الجنس ، كنحلة ونحل ، وثمرة وثمر ، وبطة وبط ، ونملة ونمل ، فيجوز أن تكون النملة مذكرا ، والتاء للوحدة ، وأنث الفعل باعتبار تأنيث اللفظ . ه . مختصرا . و ( لا يحطمنكم ) : يحتمل أن يكون جوابا للأمر ، أو : نهيا بدلا من الأمر ؛ لتقارب المعنى ؛ لأن الأمر بالشيء نهى عن ضده . والضد ينشأ عنه الحطم ، فلا : ناهية ، ومثله الحديث : « فليمسك بنصالها ، لا يعقر مسلما » « 2 » . ه .
--> ( 1 ) عبارة الورتجبي ، كما في عرائس البيان : ( ويمكن أن يقع ذلك لولى ، ولكن أكثر فهوم الأولياء بها . . . ) . ( 2 ) أخرجه بنحوه البخاري في ( الفتن ، باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « من حمل علينا السلاح فليس منا » ح 7074 ) ومسلم في ( البر والصلة ، باب أمر من مرّ بسلاح ، في مسجد أو سوق أو غيرهما من المواضع الجامعة للناس أن يمسك بنصالها 4 / 2018 - 2019 ، ح 2614 - 2615 ) من حديث سيدنا جابر رضي اللّه عنه .